الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

385

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

وعن ابن عباس قال : أيما مسلم سب اللّه أو سب أحدا من الأنبياء فقد كذب رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وهي ردة يستتاب منها ، فإن تاب وإلا قتل ، وأيما معاهد سب اللّه أو سب أحدا من أنبيائه فقد نقض العهد فاقتلوه . « وأجيب » عما تقدم من أدلة المالكية . فأما قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ « 1 » الآية فليس فيه إلا كفر مؤذيه - صلى اللّه عليه وسلم - ، وأما كونه يقتل بعد التوبة والإسلام فلا دلالة فيه أصلا ، وأما ابن خطل فإنما قتل ولم يستتب للكفر والزيادة فيه بالأذى مع ما اجتمع فيه من موجبات القتل ، ولأنه اتخذ الأذى ديدنا ، فلا يقاس عليه من فرط منه فرطة - وقلنا بكفره بها - وتاب ورجع إلى الإسلام ، فالفرق واضح . وكذلك قتل جاريتيه لأنهما جعلتا ذلك ديدنا مع ما قام بهما من صفة الكفر . وقد روى البزار عن ابن عباس أن عقبة بن أبي معيط نادى : يا معشر قريش ما لي أقتل من بينكم صبرا . فقال له النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - : « بكفرك وافترائك على رسول اللّه » « 2 » فذكر له سببين في تحتم قتله ، وهذا في غاية الظهور . وأما قول الخطابي وغيره : « لا أعلم أحدا من المسلمين اختلف في وجوب قتله إذا كان مسلما » فمحمول على التقييد بعدم التوبة . وأما سياق القاضي عياض لقصة الرجل الذي كذب على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ، وأنه بعث عليّا والزبير ليقتلاه ، فليس يفيد غرضا في هذا المقام ، لأن الظاهر أن هذا كذب ، فيه إفساد وفتنة بين المؤمنين ، لا سيما إن كافرا ، فيكون من محاربي اللّه ورسوله ، مع السعي في الأرض بالفساد ، فيكون متحتم القتل ، وإلا فليس مطلق الكذب عليه مما يوجب القتل . وكذا سياقه حديث ابن عباس : هجت امرأة من خطمة النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - ، فقال : « من لي بها » فقال رجل من قومها : أنا يا رسول اللّه فنهض فقتلها

--> ( 1 ) سورة الأحزاب : 57 . ( 2 ) إسناده ضعيف : ذكره الهيثمي في « المجمع » ( 6 / 89 ) وقال : رواه البزار وفيه يحيى بن سلمة بن كهيل ، وهو ضعيف ، ووثقه ابن حبان .